عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
23
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
الباب الثاني في ذكر المحبة ومعانيها واختلاف عبارات الناس فيها اعلم أن المحبة هي أصل جميع المقامات والأحوال ، إذ المقامات كلها مندرجة تحتها فهي إما وسيلة إليها أو ثمرة من ثمراتها كالإرادة والشوق والخوف والرجاء والزهد والصبر والرضى والتوكل والتوحيد والمعرفة ، ولهذا اختصّ بكمال هذا المقام سيّد النبيين ، وإمام المرسلين ، عليه أفضل الصلاة والتسليم ، فإنه أعطي من سرّ هذا المقام ما لم يعط غيره من الأنبياء عليهم السلام ، ولتحقّقه به قال اللّه تعالى فيه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : الآية 80 ] ، وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : الآية 10 ] ، وقال : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : الآية 31 ] . وحسبك أن جعل طاعته عين طاعته ومحبّته شرطا في محبّته ، وما ذاك إلا لأنه وفر نصيبه من نوره الذي أفاضه على العالم الأسفل بواسطته ، ولذلك سمّاه نورا مبينا وسراجا منيرا وجعله رحمة للعالمين ، فبذلك النور كان عليه الصلاة والسلام يدعو الخلق إلى ربه تعالى ليوصلهم بالنور إلى النور ، وهنا سرّ يفهمه أربابه الذين وصلوا إلى حقيقة الذوق لا يمكننا النطق به : [ من الطويل ] شربنا على زهر الربيع المفوّف * وجاء لنا الساقي بصهباء قرقف فلما شربناها ودبّ دبيبها * إلى موضع الأسرار قلت لها : قفي مخافة أن يسطو عليّ شعاعها * فيطلع جلّاسي على سرّي الخفي ومن الدليل على أن المحبة مشتملة على جميع المقامات والأحوال إن الإنسان لا يحبّ محبوبا إلا بعد العلم بكمال ذات ذلك المحبوب ، ثم يتأكّد هذا العلم عنده ويتوالى فيكون معرفة فتنبعث عن ذلك الإرادة ثم الشوق إلى جمال هذه